القاضي عبد الجبار الهمذاني

111

تثبيت دلائل النبوة

فإن قالوا : كل فعل من هذه الأفعال قد فعله الآلهة الثلاثة . قيل لهم : هذا خلاف النصرانية وهو بيّن فيما قدمنا وذكرنا عنهم ؛ وأيضا فان فعلا واحدا لا يصح ان يفعله أكثر من حي واحد ، ومقدورا واحدا لا يصح ان يقدر عليه أكثر من قادر واحد ، وهو مبين في كتب العلماء ، والنصارى لا تفهم ذلك ولا تحوجك إليه . واعلم أن النصارى تعتقد ان الأب قد اختلع من ملكه كله وجعله لابنه ، فهو يخلق ويرزق ويحيي ويميت ، وقد سمعنا هذا ممن يحتج لهم ويخبر عنهم ، وهو أيضا بين في تسبيحة / ايمانهم . ألا تسمعهم يقولون : ونؤمن بالرب الواحد يسوع المسيح ، ابن اللّه بكر أبيه ، وليس بمصنوع ، إله حق من إله حق من جوهر أبيه ، الذي بيده أتقنت العوالم وخلق كل شيء ، إلى قولهم : وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والاحياء . ويقولون في عباداتهم وصلواتهم ومناجاتهم : أنت أيها المسيح يسوع تحيينا ، وترزقنا ، وتخلق أولادنا ، وتقيم أجسادنا ، إلى غير ذلك مما هذا سبيله ويطول ذكره ، فبيناهم يفردون كل واحد منها بفعل ، وبيناهم يقولون : ان الامر كله قد رجع إلى الابن وكله شرك . فان قيل : فما الذي عندكم عن المسيح مما يخالف هذا وما حكيتموه عن النصارى ؟ قلنا : أما في الأصول فإنه قال لهم : اللّه ربي وربكم ، وإلهي وإلهكم ، فيشهد على نفسه انه عبد اللّه مربوب مدبر مصنوع ، كما شهد عليهم انهم كذلك ، وانه مثلهم في العبودية والضعف والحاجة ، وذكر انه رسول اللّه إلى خلقه ، وان اللّه ارسله كما ارسل الأنبياء قبله .